فصل: سورة المائدة

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ***


تفسير الآيات رقم ‏[‏144- 147‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا ‏(‏144‏)‏ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا ‏(‏145‏)‏ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا ‏(‏146‏)‏ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا ‏(‏147‏)‏‏}‏

خطابه تعالى للمؤمنين، يدخل فيه بحكم الظاهر المنافقون المظهرون للإيمان، ففي اللفظ رفق بهم، وهم المراد بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطاناً مبيناً‏}‏ لأن التوقيف إنما هو لمن ألم بشيء من الفعل المؤدي إلى هذه الحال، والمؤمنون المخلصون مما ألموا قط بشيء من ذلك، ويقوي هذا المنزع قوله تعالى‏:‏ ‏{‏من دون المؤمنين‏}‏ أي والمؤمنون العارفون المخلصون غيب عن هذه الموالاة وهذا لا يقال للمؤمنين المخلصين، بل المعنى‏:‏ يا أيها الذين أظهروا الإيمان والتزموا لوازمه، و«السلطان»‏:‏ الحجة، وهي لفظة تؤنث وتذكر، والتذكير أشهر، وهي لغة القرآن حيث وقع، والسلطان إذا سمي به صاحب الأمر فهو على حذف مضاف، والتقدير‏:‏ ذو السلطان أي ذو الحجة على الناس، إذ هو مدبرهم، والناظر في منافعهم، ثم أخبر تعالى عن المنافقين أنهم ‏{‏في الدرك الأسفل‏}‏ من نار جهنم، وهي ادراك بعضها فوق بعض سبعة طبقة على طبقة، أعلاها هي جهنم وقد يسمى جميعها باسم الطبقة العليا، فالمنافقون الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر هم في أسفل طبقة من النار، لأنهم أسوأ غوائل من الكفار وأشد تمكناً من أذى المسلمين، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو «في الدرَك» مفتوحة الراء، وقرأ حمزة والكسائي والأعمش ويحيى بن وثاب «في الدرْك» بسكون الراء، واختلف عن عاصم فروي عنه الفتح والسكون، وهما لغتان، قال أبو علي‏:‏ كالشمع والشمع ونحوه، وروي عن أبي هريرة وعبد الله بن مسعود وغيرهما أنهم قالوا‏:‏ المنافقون في الدرك الأسفل من النار في توابيت من النار تقفل عليهم، و«النصير»‏:‏ بناء مبالغة من النصر، ثم استثنى عزو جل التائبين من المنافقين، ومن شروط التائب أن يصلح في قوله وفعله، ويعتصم بالله، أي يجعله منعته وملجأه، ويخلص دينه لله تعالى، وإلا فليس بتائب، وقال حذيفة بن اليمان بحضرة عبد الله بن مسعود‏:‏ والله ليدخلن الجنة قوم كانوا منافقين، فقال له عبد الله بن مسعود‏:‏ وما علمك بذلك‏؟‏ فغضب حذيفة وتنحى، فلما تفرقوا مر به علقمة فدعاه وقال‏:‏ أما إن صاحبكم يعلم الذي قلت، ثم تلا ‏{‏إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا‏}‏ الآية، وأخبر تعالى أنهم مع المؤمنين في رحمة الله وفي منازل الجنة، ثم وعد المؤمنين «الأجر العظيم» وحذفت الياء من ‏{‏يؤت‏}‏ في المصحف تخفيفاً قال الزجّاج‏:‏ لسكونها وسكون اللام في ‏{‏الله‏}‏ كما وحذفت من قوله ‏{‏يوم يناد المناد‏}‏ ‏[‏ق‏:‏ 41‏]‏ وكذلك ‏{‏سندع الزبانية‏}‏ ‏[‏العلق‏:‏ 18‏]‏ وأمثال هذا كثير و«الأجر العظيم»‏:‏ التخليد في الجنة، ثم قال تعالى للمنافقين، ‏{‏ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم‏}‏ الآية، أي‏:‏ أي منفعة له في ذلك أو حاجة‏؟‏ والشكر على الحقيقة لا يكون إلا مقترناً بالإيمان، لكنه ذكر الإيمان تأكيداً وتنبيهاً على جلالة موقعه، ثم وعد الله تعالى بقوله‏:‏ ‏{‏وكان الله شاكراً عليماً‏}‏ أي يتقبل أقل شيء من العمل وينميه، فذلك شكر منه لعباده، والشكور من البهائم الذي يأكل قليلاً ويظهر به بدنه، والعرب تقول في مثل أشكر من بروقة، لأنها يقال‏:‏ تخضر وتنضر بظل السحاب دون مطر، وفي قوله ‏{‏عليماً‏}‏ تحذير وندب إلى الإخلاص‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏148- 151‏]‏

‏{‏لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا ‏(‏148‏)‏ إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا ‏(‏149‏)‏ إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا ‏(‏150‏)‏ أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا ‏(‏151‏)‏‏}‏

المحبة في الشاهد إرادة يقترن بها استحسان وميل اعتقاد، فتكون الأفعال الظاهرة من المحب بحسب ذلك، و‏{‏الجهر بالسوء من القول‏}‏ لا يكون من الله تعالى فيه شيء من ذلك، أما أنه يريد وقوع الواقع منه ولا يحبه هو في نفسه‏.‏ و‏{‏الجهر‏}‏‏:‏ كشف الشيء، ومنه الجهرة في قول الله تعالى ‏{‏أرنا الله جهرة‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 53‏]‏ ومنه قولهم‏:‏ جهرت البير، إذا حفرت حتى أخرجت ماءها، واختلف القراء في قوله تعالى ‏{‏إلا من ظلم‏}‏ وقراءة جمهور الناس بضم الظاء وكسر اللام، وقرأ ابن أبي إسحاق وزيد بن أسلم ومسلم بن يسار وغيرهم «إلا من ظَلَم» بفتح الظاء واللام، واختلف المتأولون على القراءة بضم الظاء، فقالت فرقة‏:‏ المعنى لا يحب الله أن يجهر أحد بالسوء من القول «إلا من ظُلم» فلا يكره له الجهر به، ثم اختلفت هذه القرقة في كيفية الجهر بالسوء وما هو المباح من ذلك، فقال الحسن‏:‏ هو الرجل يظلم الرجل فلا يدع عليه، ولكن ليقل‏:‏ اللهم أعنّي عليه، اللهم استخرج لي حقي، اللهم حلْ بيني وبين ما يريد من ظلمي، وقال ابن عباس وغيره‏:‏ المباح لمن ظُلم أن يدعو على من ظلمه، وإن صبر فهو أحسن له، وقال مجاهد وغيره‏:‏ هو في الضيف المحول رحله، فإنه يجهر الذي لم يكرمه بالسوء من القول، فقد رخص له أن يقول فيه‏:‏ وفي هذا نزلت الآية، ومقتضاها ذكر الظلم وتبيين الظلامة في ضيافة وغيرها، وقال ابن عباس والسدي‏:‏ لا بأس لمن ظَلم أن ينتصر ممن ظلمه بمثل ظلمه، ويجهر له بالسوء من القول‏.‏

قال القاضي رحمه الله‏:‏ فهذه الأقوال على أربع مراتب‏:‏

قول الحسن دعاء في المدافعة، وتلك أقل منازل السوء من القول‏.‏

وقول ابن عباس الدعاء على الظالم بإطلاق في نوع الدعاء‏.‏

وقول مجاهد، ذكر الظلامة والظلم‏.‏

وقول السدي الانتصار بما يوازي الظلامة‏.‏

وقال ابن المستنير‏:‏ ‏{‏إلا من ظلم‏}‏ معناه إلا من أكره على أن يجهر بسوء من القول كفراً أو نحوه، فذلك مباح، والآية في الإكراه، واختلف المتأولون على القراءة بفتح الضاد واللام، فقال ابن زيد‏:‏ المعنى «إلا من ظلم» في قول أو فعل، فاجهروا له بالسوء من القول في معنى النهي عن فعله والتوبيخ والرد عليه، قال‏:‏ وذلك أنه لما أخبر الله تعالى عن المنافقين أنهم في الدرك الأسفل من النار، كان ذلك جهراً بالسوء من القول‏.‏ ثم قال لهم بعد ذلك ‏{‏ما يفعل الله بعذابكم‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 147‏]‏ الآية، على معنى التأنيس والاستدعاء إلى الشكر والإيمان، ثم قال للمؤمنين‏:‏ «ولا يحب الله أن يجهر بالسوء من القول إلا لمن ظلم» في إقامته على النفاق، فإنه يقال له‏:‏ ألست المنافق الكافر الذي لك في الآخرة الدرك الأسفل‏؟‏ ونحو هذا من الأقوال، وقال قوم معنى الكلام‏:‏ «ولا يحب الله أن يجهر أحد بالسوء من القول» ثم استثنى استثناء منقطعاً، تقديره‏:‏ لكن من ظلم فهو يجهر بالسوء وهو ظالم في ذلك وإعراب ‏{‏من‏}‏ يحتمل في بعض هذه التأويلات النصب، ويحتمل الرفع على البدل من أحد المقدر، و«سميع عليم»‏:‏ صفتان لائقتان بالجهر بالسوء وبالظلم أيضاً، فإنه يعلمه ويجازي عليه، ولما ذكر تعالى عذر المظلوم في أن يجهر بالسوء لظالمه، أتبع ذلك عرض إبداء الخير وإخفائه، والعفو عن السوء، ثم وعد عليه بقوله ‏{‏فإن الله كان عفواً قديراً‏}‏ وعداً خفياً تقتضيه البلاغة ورغب في العفو إذ ذكر أنها صفته مع القدرة على الانتقام، ففي هذه الألفاظ اليسيرة معان كثيرة لمن تأملها، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إن الذين يكفرون بالله ورسله‏}‏ إلى آخر الآية‏.‏

نزل في اليهود والنصارى، لأنهم في كفرهم بمحمد عليه السلام كأنهم قد كفروا بجميع الرسل‏.‏ وكفرهم بالرسل كفر بالله، وفرقوا بين الله ورسله في أنهم قالوا‏:‏ نحن نؤمن بالله ولا نؤمن بفلان وفلان من الأنبياء، وقولهم ‏{‏نؤمن ببعض ونكفر ببعض‏}‏ قيل‏:‏ معناه من الأنبياء، وقيل‏:‏ هو تصديق بعضهم لمحمد في أنه نبي، لكن ليس إلى بني إسرائيل، ونحو هذا من تفريقاتهم التي كانت تعنتاً وروغاناً، وقوله ‏{‏بين ذلك‏}‏ أي بين الإيمان والإسلام والكفر الصريح المجلح، ثم أخبر تعالى عنهم أنهم الكافرون حقاً، لئلا يظن أحد أن ذلك القدر الذي عندهم من الإيمان ينفعهم، وباقي الآية وعيد‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏152- 153‏]‏

‏{‏وَالَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ‏(‏152‏)‏ يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآَتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا ‏(‏153‏)‏‏}‏

لما ذكر الله تعالى أن المفرقين بين الرسل هم الكافرون حقاً، عقب ذلك بذكر المؤمنين بالله ورسله جميعاً‏.‏ وهم المؤمنون بمحمد عليه السلام ليصرح بوعد هؤلاء كما صرح بوعيد أولئك، فبين الفرق بين المنزلتين، وقرأ بعض السبعة «سوف يؤتيهم» بالياء أي يؤتيهم الله، وقرأ الأكثر «سوف نؤتيهم» بالنون منهم ابن كثير ونافع وأبو عمرو، واختلف المتأولون في كيفية سؤال أهل الكتاب لمحمد عليه السلام أن ينزل عليهم كتاباً من السماء، فقال السدي‏:‏ قالت اليهود‏:‏ يا محمد إن كنت صادقاً فجيء بكتاب من السماء كما جاء موسى بكتاب، وقال محمد بن كعب القرظي‏:‏ قد جاء موسى بألواح فيها التوراة فجيء أنت بألواح فيها كتابك، وقال قتادة‏:‏ بل سألوه أن يأتي بكتاب خاص لليهود، يأمرهم فيه بالإيمان بمحمد، وقال ابن جريج‏:‏ قالت اليهود‏:‏ يا محمد لن نتابعك على ما تدعونا إليه حتى تأتينا بكتاب من عند الله إلى فلان وإلى فلان أنك رسول الله‏.‏

قال القاضي أبو محمد- رحمه الله-‏:‏ فقول ابن جريج يقتضي أن سؤالهم كان على نحو سؤال عبد الله بن أبي أمية المخزومي القرشي، ثم قال تعالى ‏{‏فقد سألوا موسى أكبر من ذلك‏}‏ على جهة التسلية لمحمد عليه السلام، وعرض الأسوة، وفي الكلام متروك يدل عليه المذكور، تقديره‏:‏ فلا تبال يا محمد عن سؤالهم وتشططهم فإنها عادتهم، ‏{‏فقد سألوا موسى أكبر من ذلك‏}‏ على جهة التسلية لمحمد عليه السلام وعرض الأسوة وفي الكلام متروك يدل عليه المذكور تقديره‏:‏ فلا تبال يا محمد عن سؤالهم وتشططهم فإنها عادتهم ‏{‏فقد سألوا موسى أكبر من ذلك‏}‏ وقرأ جمهور الناس «أكبر» بالباء المنقوطة بواحدة، وقرأ الحسن بن أبي الحسن «أكثر» بالثاء المثلثة، وجمهور المتأولين على أن ‏{‏جهرة‏}‏ معمول ل ‏{‏أرنا‏}‏، أي‏:‏ حتى نراه جهاراً أي عياناً رؤية منكشفة بينة، وروي عن ابن عباس أنه كان يرى أن ‏{‏جهرة‏}‏ معمول ل ‏{‏قالوا‏}‏، أي قالوا جهرة منهم وتصريحاً ‏{‏أرنا الله‏}‏‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وأهل السنة معتقدون أن هؤلاء لم يسألوا محالاً عقلاً، لكنه محال من جهة الشرع، إذ قد أخبر تعالى على ألسنة أنبيائه أنه لا يرى في هذه الحياة الدنيا، والرؤية في الآخرة ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم بالخبر المتواتر، وهي جائزة عقلاً دون تحديد ولا تكييف ولا تحيز، كما هو تعالى معلوم لا كالمعلومات كذاك هو مرئي لا كالمرئيات، هذه حجة أهل السنة وقولهم، ولقد حدثني أبي رضي الله عنه عن أبي عبد الله النحوي أنه كان يقول عند تدريس هذه المسألة‏:‏ مثال العلم بالله حلق لحا المعتزلة في إنكارهم الرؤية، والجملة التي قالت ‏{‏أرنا الله جهرة‏}‏ هي التي مضت مع موسى لحضور المناجاة، وقد تقدم قصصها في سورة البقرة، وقرأ جمهور الناس «فأخذتهم الصاعقة» وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي وإبراهيم النخعي «الصعقة» والمعنى يتقارب، إذ تلك كله عبارة عن الوقع الشديد من الصوت يصيب الإنسان بشدته وهو له خمود وركود حواس، و‏{‏ظلمهم‏}‏ هو تعنتهم وسؤالهم ما ليس لهم أن يسألوه‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ قد كان من أمرهم أن اتخذوا العجل، وذلك أن اتخاذ العجل كان عند أمر المضي للمناجاة، فلم يكن الذين صعقوا ممن اتخذوا العجل، لكن الذين اتخذوه كانوا قد جاءتهم البينات في أمر إجازة البحر وأمر العصا وغرق فرعون وغير ذلك، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فعفونا عن ذلك‏}‏ يعني بما امتحنهم به من القتل لأنفسهم، ثم وقع العفو عن الباقين منهم، و«السلطان» الحجة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏154- 156‏]‏

‏{‏وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا ‏(‏154‏)‏ فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا ‏(‏155‏)‏ وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا ‏(‏156‏)‏‏}‏

‏{‏الطور‏}‏ الجبل اسم جنس، هذا قول، وقيل ‏{‏الطور‏}‏‏:‏ كل جبل غير منبت، وبالشام جبل قد عرف بالطور ولزمه الاسم وهو طور سيناء، وليس بالمرفوع على بني إسرائيل، لأن رفع الجبل كان فيما يلي فحص التيه من جهة ديار مصر، وهم ناهضون مع موسى عليه السلام، وقد تقدم في سورة البقرة قصص رفع الطور، وقوله ‏{‏بميثاقهم‏}‏ أي بسبب ميثاقهم أن يعطوه في أخذ الكتاب بقوة والعمل بما فيه، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وقلنا لهم ادخلوا الباب سجَّداً‏}‏ هو باب بيت المقدس المعروف بباب حطة، أمروا أن يتواضعوا شكراً لله تعالى على الفتح الذي منحهم في تلك البلاد، وأن يدخلوا باب المدينة سجَّداً‏.‏ وهذا نوع من سجدة الشكر التي قد فعلها كثير من العلماء، ورويت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإن كان مالك بن أنس رحمه الله لا يراها‏.‏ وقوله تعالى ‏{‏وقلنا لهم لا تعدوا في السبت‏}‏ أي على الحيتان وفي سائر الأعمال وهؤلاء كانوا بأيلة من ساحل البحر فأمروا بالسكون عن كل شغل في يوم السبت فلم يفعلوا، بل اصطادوا وتصرفوا، وقد تقدم قصص ذلك، وأخذ الله تعالى منهم «الميثاق الغليظ» هو على لسان موسى وهارون وغيرهما من الأنبياء، أي بأنهم يأخذون التوراة بقوة، ويعملون بجميع ما فيها، ويوصلونه إلى أبنائهم ويؤدون الأمانة فيه‏.‏

وقوله تعالى ‏{‏فبما نقضهم‏}‏ الآية، إخبار عن أشياء واقعوها هي في الضد مما أمروا به وذلك أن الميثاق الذي رفع الطور من أجله نقضوه، والإيمان الذي تضمنه ‏{‏ادخلوا الباب سجداً‏}‏ إذ ذلك التواضع إنما هو ثمرة الإيمان والإخبات جعلوا بدله كفرهم بآيات الله، وقولهم‏:‏ حبة في شعرة وحنطة في شعيرة، ونحو ذلك مما هو استخفاف بأمر الله وكفر به، وكذلك أمروا أن لا يعتدوا في السبت، وفي ضمن ذلك الطاعة وسماع الأمر، فجعلوا بدل ذلك الانتهاء إلى انتهاك أعظم حرمة، وهي قتل الأنبياء، وكذلك أخذ «الميثاق الغليظ» منهم تضمن فهمهم بقدر ما التزموه، فجعلوا بدل ذلك تجاهلهم‏.‏ وقولهم ‏{‏قلوبنا غلف‏}‏ أي هي في حجب وغلف، فهي لا تفهم، وأخبر الله تعالى أن ذلك كله عن طبع منه على قلوبهم، وأنهم كذبة فيما يدعونه من قلة الفهم، وقرأ نافع «تعْدّوا» بسكون العين وشد الدال المضمومة، وروى عنه ورش «تعَدّوا» بفتح العين وشد الدال المضمومة وقرأ الباقون «لا تعْدوا» ساكنة العين خفيفة الدال مضمومة وقرأ الأعمش والحسن «لا تعتدوا» وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فبما‏}‏ ما زائدة مؤكدة، التقدير فبنقضهم، وحذف جواب هذا الكلام بليغ منهم، متروك مع ذهن السامع، تقديره لعناهم وأذللناهم، وحتمنا على الموافين منهم الخلود في جهنم‏.‏

ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏وبكفرهم‏}‏ أي في أمر عيسى عليه السلام، وقولهم على مريم بهتاناً، يعني رميهم إياها بالزنا مع رؤيتهم الآية في كلام عيسى في المهد، وإلا فلولا الآية لكانوا في قولهم جارين على حكم البشر في إنكار حمل من غير ذكر و«البهتان»‏:‏ مصدر من قولك بهته إذا قابله بأمر مبهت يحار معه الذهن وهو رمي بباطل‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏157- 159‏]‏

‏{‏وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا ‏(‏157‏)‏ بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ‏(‏158‏)‏ وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ‏(‏159‏)‏‏}‏

هذه الآية والتي قبلها عدد الله تعالى فيها أقوال بني إسرائيل وأفعالهم على اختلاف الأزمان وتعاقب القرون، فاجتمع من ذلك توبيخ خلفهم المعاصرين لمحمد صلى الله عليه وسلم، وبيان الحجة في أن وجبت لهم اللعنة وضربت عليهم الذلة والمسكنة، فهذه الطائفة التي قالت ‏{‏إنا قتلنا المسيح‏}‏ غير الذين نقضوا الميثاق في الطور، وغير الذين اتخذوا العجل، وقول بني إسرائيل إنما هو إلى قوله‏:‏ ‏{‏عيسى ابن مريم‏}‏ وقوله عز وجل‏:‏ ‏{‏رسول الله‏}‏ إنما هو إخبار من الله تعالى بصفة لعيسى وهي الرسالة، على جهة إظهار ذنب هؤلاء المقرين بالقتل، ولزمهم الذنب وهم لم يقتلوا عيسى لأنهم صلبوا ذلك الشخص على أنه عيسى، وعلى أن عيسى كذاب ليس برسول، ولكن لزمهم الذنب من حيث اعتقدوا أن قتلهم وقع في عيسى فكأنهم قتلوه، وإذا كانوا قتلوه فليس يرفع الذنب عنهم اعتقادهم أنه غير رسول، كما أن قريشاً في تكذيبها رسول الله لا ينفعهم فيه اعتقادهم أنه كذاب، بل جازاهم الله على حقيقة الأمر في نفسه، ثم أخبر تعالى أن بني إسرائيل ما قتلوا عيسى ولا صلبوه ولكن شبه لهم، واختلفت الرواة في هذه القصة وكيفيتها اختلافاً شديداً أنا أختصر عيونه، إذ ليس في جميعه شيء يقطع بصحته، لأنه لم يثبت عن النبي عليه السلام فيه شيء، وليس لنا متعلق في ترجيح شيء منه إلا ألفاظ كتاب الله، فالذي لا نشك فيه أن عيسى عليه السلام كان يسيح في الأرض ويدعو إلى الله، وكانت بنو إسرائيل تطلبه، وملكهم في ذلك الزمان يجعل عليه الجعائل، وكان عيسى قد انضوى إليه الحواريون يسيرون معه حيث سار، فلما كان في بعض الأوقات شعر بأمر عيسى، فروي أن أحد الحواريين رشي عليه فقبل الرشوة ودل على مكانه، فلما أحس عيسى وأصحابه بتلاحق الطالبين بهم دخلوا بيتاً بمرأى من بني إسرائيل فروي‏:‏ أنهم عدوهم ثلاثة عشر، وروي ثمانية عشر وحصروا ليلاً فروي أن عيسى فرق الحواريين عن نفسه تلك الليلة، ووجههم إلى الآفاق، وبقي هو ورجل معه فرفع عيسى وألقي شبهه على الرجل فصلب ذلك الرجل، وروي أن الشبه ألقي على اليهودي الذي دل عليه فصلب، وروي أن عيسى عليه السلام لما أحيط بهم قال لأصحابه‏:‏ أيكم يلقي شبهي عليه فيقتل ويخلص هؤلاء وهو رفيقي في الجنة‏؟‏ فقال سرجس‏:‏ أنا، وألقي عليه شبه عيسى، ويروى أن شبه عيسى عليه السلام ألقي على الجماعة كلها، فلما أخرجهم بنو إسرائيل نقص واحد من العدة، فأخذوا واحداً ممن ألقي عليه الشبه حسب هذه الرويات التي ذكرتها، فصلب ذلك الشخص، وروي‏:‏ أن الملك والمتناولين لم يخف عليهم أمر رفع عيسى لما رأوه من نقصان العدة واختلاط الأمر فصلب ذلك الشخص وأبعد الناس عن خشبته أياماً حتى تغير ولم تثبت له صفة، وحينئذ دنا الناس منه ومضى الحواريون يحدثون بالآفاق أن عيسى صلب، فهذا أيضاً يدل على أنه فرقهم وهو في البيت، أو على أن الشبه ألقي على الكل، وروي أن هذه القصة كلها لم يكن فيها إلقاء شبه شخص عيسى على أحد وإنما المعنى ‏{‏ولكن شبه لهم‏}‏ أي شبه عليهم الملك الممخرق، ليستديم ملكه، وذلك أنه لما نقص واحد من الجماعة وفقد عيسى عمد إلى أحدهم وبطش بصلبه وفرق الناس عنه‏.‏

وقال‏:‏ هذا عيسى قد صلب وانحل أمره، وقوله تعالى ‏{‏وإن الذين اختلفوا فيه‏}‏ يعني اختلاف المحلولين لأخذه، لأنهم حين فقدوا واحداً من العدد وتحدث برفع عيسى اضطربوا واختلفوا، وعلى رواية من روى أنه ألقي شبه يوشك أنه بقي في ذلك الشبه مواضع للاختلاف، لكن أجمعوا على صلب واحد على غير ثقة ولا يقين أيهم هو‏.‏

قال القاضي- رحمه الله‏:‏ الذي صح فيه نقل الكافة عن حواسها هو أن شخصاً صلب، وأما هل هو عيسى أم لا‏؟‏ فليس من علم الحواس، فلذلك لم ينفع في ذلك نقل كافة اليهود والنصارى، ونفى الله عنهم أن يكون لهم في أمره علم على ما هو به، ثم استثنى اتباع الظن وهو استثناء متصل، إذ الظن والعلم يضمهما جنس واحد أنهما من معتقدات النفس، وقد يقول الظان على طريق التجوز‏:‏ علمي في هذا الأمر أنه كذا، وهو يعني ظنه‏.‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما قتلوه يقيناً‏}‏ اختلف المتأولون في عود الضمير من ‏{‏قتلوه‏}‏ فقالت فرقة‏:‏ هو عائد على الظن كما تقول‏:‏ قتلت هذا الأمر علماً، فالمعنى وما صح ظنهم عندهم ولا تحققوه يقيناً، هذا قول ابن عباس والسدي وجماعة، وقال قوم‏:‏ الضمير عائد على عيسى، أخبر أنهم لم يقتلوه يقيناًن فيصح لهم الإصفاق ويثبت نقل كافتهم، ومضمن الكلام أنهم ما قتلوه في الحقيقة جملة واحدة لا يقيناً ولا شكاً، لكن لما حصلت في ذلك الدعوى صار قتله عندهم مشكوكاً فيه، وقال قوم من أهل اللسان‏:‏ الكلام تام في قوله ‏{‏وما قتلوه‏}‏ و‏{‏يقيناً‏}‏ مصدر مؤكد للنفي في قوله ‏{‏وما قتلوه‏}‏ المعنى يخبركم يقيناً، أو يقص عليكم يقيناً، أو أيقنوا بذلك يقيناً، وقوله تعالى ‏{‏بل رفعه الله إليه‏}‏ يعني إلى سمائه وكرامته، وعيسى عليه السلام حي في السماء الثانية على ما تضمن حديث الإسراء في ذكر ابني الخالة عيسى ويحيى ذكره البخاري في حديث المعراج، وذكره غيره، وهو هناك مقيم حتى ينزله الله لقتل الدجالة، وليملأ الأرض عدلاً، ويحيا فيها أربعين سنة ثم يموت كما يموت البشر‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمن به قبل موته‏}‏ اختلف المتأولون في معنى الآية فقال ابن عباس وأبو مالك والحسن بن أبي الحسن وغيرهم‏:‏ الضمير في ‏{‏موته‏}‏ راجع إلى عيسى، والمعنى أنه لا يبقى من أهل الكتاب أحد إذا نزل عيسى إلى الأرض إلا يؤمن بعيسى كما يؤمن سائر البشر، وترجع الأديان كلها واحداً، وقال مجاهد وابن عباس أيضاً وغيرهما‏:‏ الضمير في ‏{‏به‏}‏ لعيسى وفي ‏{‏موته‏}‏ للكتابي الذي تضمنه قوله ‏{‏وإن من أهل الكتاب‏}‏ التقدير‏:‏ وإن من أهل الكتاب أحد، قالوا‏:‏ وليس يموت يهودي حتى يؤمن بعيسى روح الله، ويعلم أنه نبي ولكن عند المعاينة للموت، فهو إيمان لا ينفعه، كما لم ينفع فرعون إيمانه عند المعاينة، وقال هذا القول عكرمة والضحاك والحسن بن أبي الحسن أيضاً، وقال عكرمة أيضاً‏:‏ الضمير في ‏{‏به‏}‏ لمحمد عليه السلام، و‏{‏قبل موته‏}‏ للكتابي، قال‏:‏ وليس يخرج يهودي ولا نصراني من الدنيا حتى يؤمن بمحمد، ولو غرق أو سقط عليه جدار فإنه يؤمن في ذلك الوقت، وفي مصحف أبي بن كعب «قبل موتهم» ففي هذه القراءة تقوية لعود الضمير على الكتابي، وقرأ الفياض بن غزوان «وإنّ من أهل الكتاب» بتشديد «إن» والضمير المستتر في يكون هو لعيسى عليه السلام في جل الأقوال، ولمحمد عليه السلام في قول عكرمة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏160- 162‏]‏

‏{‏فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا ‏(‏160‏)‏ وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ‏(‏161‏)‏ لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا ‏(‏162‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فبظلم‏}‏ عطف على قوله ‏{‏فبما نقضهم‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 155‏]‏ كأنه قال فبنقضهم لعناهم وأوجبنا عذابهم، فبظلم منهم حرمنا عليهم المطاعم، وجعل الله تعالى هذه العقوبة الدنيوية إزاء ظلم بني إسرائيل في تعنتهم وسائر أخلاقهم الدميمة، و«الطيبات» هنا‏:‏ هي الشحوم وبعض الذبائح والطير والحوت وغير ذلك، وقرأ ابن عباس «طيبات كانت أحلت لهم» وقوله تعالى ‏{‏وبصدهم عن سبيل الله كثيراً‏}‏ يحتمل أن يريد صدهم في ذاتهم، ويحتمل أن يريد صدهم غيرهم، وإلى هذا ذهب الطبري، وقال‏:‏ هو جحدهم أمر محمد صلى الله عليه وسلم فإنهم صدوا بذلك جمعاً عظيماً من الناس عن سبيل الله ‏{‏وأخذهم الربا‏}‏‏:‏ هو الدرهم بالدرهمين إلى أجل ونحو ذلك مما هو مفسدة، وقد نهوا عنه فشرعوه لأنفسهم واستمروا عليه من ذلك، ومن كراء العين ونحوه، وأكل أموال الناس بالباطل‏:‏ هو الرشى ثم استثنى الله تعالى من بني إسرائيل «الراسخين» في علم التوراة الذين قد تحققوا أمر محمد عليه السلام وعلاماته، وهم‏:‏ عبد الله بن سلام، ومخيريق، ومن جرى مجراهما، ‏{‏والمؤمنون‏}‏‏:‏ عطف على الراسخين، و«ما أنزل» إلى محمد هو القرآن، والذي أنزل من قبله‏:‏ هو التوراة والإنجيل، واختلف الناس في معنى قوله ‏{‏والمقيمين‏}‏ وكيف خالف إعرابها إعراب ما تقدم وتأخر، فقال أبان بن عثمان بن عفان وعائشة رضي الله عنها‏:‏ ذلك من خطأ كاتب المصحف، وروي أنها في مصحف أبيّ بن كعب «والمقيمون» وكذلك روى عصمة عن الأعمش، وكذلك قرأ سعيد بن جبير، وكذا قرأ عمرو بن عبيد والجحدري وعيسى بن عمر ومالك بن دينار، وكذلك روى يونس وهارون عن أبي عمرو، وقال آخرون‏:‏ ليس ذلك من خطأ الكاتب ولا خطأ في المصحف، وإنما هذا من قطع النعوت إذا كثرت على النصب بأعني، والرفع بعد ذلك بهم، وذهب إلى هذا المعنى بعض نحويي الكوفة والبصرة، وحكي عن سيبويه‏:‏ أنه قطع على المدح، وخبر ‏{‏لكن‏}‏ ‏{‏يؤمنون‏}‏ لأن المدح لا يكون إلا بعد تمام الجملة الأولى، وهذا كقول خرنق بنت هفان‏:‏ ‏[‏الكامل‏]‏

لاَ يَبْعَدَنْ قَومِي الّذِينَ هُمُ *** سُمُّ العُداةِ وَآفَةُ الجزْرِ

النَّازلينَ بِكُلِّ مُعْتَرَكِ *** والطَّيّبُونَ مَعَاقِدَ الأزرِ

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وقد فرق بين الآية والبيت بحرف العطف الذي في الآية، فإنه يمنع عند بعضهم تقدير الفعل، وفي هذا نظر، وقال قوم‏:‏ قوله تعالى ‏{‏والمقيمين‏}‏ ليس بعطف على قوله ‏{‏والمؤمنون‏}‏ ولكن على ‏{‏ما‏}‏ في قوله ‏{‏وما أنزل من قبلك‏}‏ والمعنى يؤمنون بالمقيمين الصلاة وهم الملائكة، وقال بعضهم‏:‏ بل من تقدم من الأنبياء، قالوا‏:‏ ثم رجع بقوله ‏{‏والمؤتون‏}‏ فعطف على قوله ‏{‏والمؤمنون‏}‏ وقال قوم ‏{‏والمقيمين‏}‏ عطف على ‏{‏ما أنزل‏}‏، والمراد بهم المؤمنون بمحمد، أي يؤمن الراسخون بهم وبما هم عليه، ويكون قوله ‏{‏المؤتون‏}‏ أي وهم المؤتون، وقال قوم ‏{‏والمقيمين‏}‏ عطف على الضمير في منهم، وقال آخرون‏:‏ بل على الكاف في قوله ‏{‏من قبلك‏}‏ ويعني الأنبياء، وقرأت فرقة «سنؤتيهم» بالنون، وقرأت فرقة «سيؤتيهم» بالياء‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏163- 164‏]‏

‏{‏إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآَتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا ‏(‏163‏)‏ وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا ‏(‏164‏)‏‏}‏

روي عن عبد الله بن عباس‏:‏ أن سبب هذه الآية أن سكيناً الحبر وعدي بن زيد قالا‏:‏ يا محمد ما نعلم أن الله أنزل على بشر شيئاً بعد موسى، ولا أوحي إليه، فنزلت هذه الآية تكذيباً لقولهما، وقال محمد بن كعب القرظي‏:‏ لما أنزل الله ‏{‏يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتاباً من السماء‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 153‏]‏ إلى آخر الآيات، فتليت عليهم وسمعوا الخبر بأعمالهم الخبيثة قالوا‏:‏ ما أنزل الله على بشر من شيء ولا على موسى ولا على عيسى وجحدوا جميع ذلك فأنزل الله ‏{‏وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 91‏]‏ والوحي‏:‏ إلقاء المعنى في خفاء، وعرفه في الأنبياء بواسطة جبريل عليه السلام، وذلك هو المراد بقوله ‏{‏كما أوحينا‏}‏ أي بملك ينزل من عند الله، و‏{‏نوح‏}‏ أول الرسل في الأرض إلى أمة كافرة، وصرف نوح مع العجمة والتعريف لخفته، و‏{‏إبراهيم‏}‏ عليه السلام هو الخليل، ‏{‏وإسماعيل‏}‏ ابنه الأكبر وهو الذبيح في قول المحققين وهو أبو العرب، ‏{‏وإسحاق‏}‏ ابنه الأصغر ‏{‏ويعقوب‏}‏ هو ولد إسحاق هو إسرائيل، ‏{‏والأسباط‏}‏‏:‏ بنو يعقوب، يوسف وإخوته، ‏{‏وعيسى‏}‏ هو المسيح، ‏{‏وأيوب‏}‏ هو المبتلى الصابر، ‏{‏ويونس‏}‏ هو ابن متى، وروى ابن جماز عن نافع‏:‏ يونس بكسر النون، وقرأ ابن وثاب والنخعي- بفتحها، وهي كلها لغات، ‏{‏وهارون‏}‏ هو ابن عمران، ‏{‏وسليمان‏}‏ هو النبي الملك، و‏{‏داود‏}‏‏:‏ أبوه، وقرأ جمهور الناس «زَبوراً» بفتح الزاي، وهو اسم كتاب داود تخصيصاً، وكل كتاب في اللغة فهو زبور من حيث تقول زبرت الكتاب إذا كتبته، وقرأ حمزة وحده «زُبوراً» بضم الزاي، قال أبو علي‏:‏ يحتمل أن يكون جمع زبر، أوقع على المزبور اسم الزبر، كما قالوا ضرب الأمير، ونسج اليمن، وكأن سمي المكتوب كتاباً، ويحتمل أن يكون جمع زبور على حذف الزيادة، كما قالوا‏:‏ ظريف وظروف وكروان وكروان وورشان وورشان، ونحو ذلك مما جمع بحذف الزيادة، ويقوي هذا الوجه أن التكسير مثل التصغير، وقد اطرد هذا المعنى في تصغير الترخيم نحو أزهر وزهير، وحارث وحريث، وثابت وثبيت، فالجمع مثله في القياس إن كان أقل منه في الاستعمال‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ورسلاً قد قصصناهم عليك‏}‏ الآية، نصب ‏{‏رسلاً‏}‏ على المعنى، لأن المعنى إنا أرسلناك كما أرسلنا نوحاً، ويحتمل أن ينصب ‏{‏رسلاً‏}‏ بفعل مضمر تقديره أرسلنا رسلاً، لأن الرد على اليهود إنما هو في إنكارهم إرسال الرسل واطراد الوحي، وفي حرف أبي بن كعب «ورسل» في الموضعين بالرفع على تقديرهم رسل، و‏{‏قصصناهم‏}‏ معناه ذكرنا اسماءهم وأخبارهم، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ورسلاً لم نقصصهم عليك‏}‏ يقتضي كثرة الأنبياء دون تحديد بعدد، وقد قال تعالى

‏{‏وإن من أمة إلا خلا فيها نذير‏}‏ ‏[‏فاطر‏:‏ 24‏]‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وقروناً بين ذلك كثيراً‏}‏ ‏[‏الفرقان‏:‏ 38‏]‏ وما يذكر من عدد الأنبياء فغير صحيح، الله أعلم بعدتهم، صلى الله عليهم، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وكلم الله موسى تكليماً‏}‏ إخبار بخاصة موسى، وأن الله تعالى شرفه بكلامه ثم أكد تعالى الفعل بالمصدر، وذلك منبئ في الأغلب عن تحقيق الفعل ووقوعه، وأنه خارج عن وجوه المجاز والاستعارة، لا يجوز أن تقول العرب‏:‏ امتلأ الحوض وقال‏:‏ قطني قولاً، فإنما تؤكد بالمصادر الحقائق، ومما شذ قول هند بنت النعمان بن بشير‏:‏

وعجب عجيجاً من جذام المطارف *** وكلام الله للنبي موسى عليه السلام دون تكييف ولا تحديد ولا تجويز حدوث ولا حروف ولا أصوات، والذي عليه الراسخون في العلم‏:‏ أن الكلام هو المعنى القائم في النفس، ويخلق الله لموسى أو جبريل إدراكاً من جهة السمع يتحصل به الكلام، وكما أن الله تعالى موجود لا كالموجودات، معلوم لا كالمعلومات فكذلك كلامه لا كالكلام، وما روي عن كعب الأحبار عن محمد بن كعب القرظي ونحوهما‏:‏ من أن الذي سمع موسى كان كأشد ما يسمع من الصواعق، وفي رواية أخرى كالرعد الساكن فذلك كله غير مرضي عند الأصوليين، وقرأ جمهور الأمة «وكلم اللهُ موسى» بالرفع في اسم الله، وقرأ يحيى بن وثاب وإبراهيم النخعي «وكلم الله» بالنصب على أن موسى هو المكلم، وهي قراءة ضعيفة من جهة الاشتهار، لكنها مخرجة من عدة تأويلات‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏165- 169‏]‏

‏{‏رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ‏(‏165‏)‏ لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا ‏(‏166‏)‏ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا ‏(‏167‏)‏ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا ‏(‏168‏)‏ إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا ‏(‏169‏)‏‏}‏

‏{‏رسلاً‏}‏ بدل من الأول قبل‏.‏ و‏{‏مبشرين ومنذرين‏}‏ حالان أي يبشرون بالجنة من آمن وأطاع، وينذرون بالنار من كفر وعصى، وأراد الله تعالى أن يقطع بالرسل احتجاج من يقول‏:‏ لو بعث إليَّ الرسول لآمنت، والله تعالى عزيز لا يغالبه شيء ولا حجة لأحد عليه، وهو مع ذلك حكيم تصدر أفعاله عن حكمة، فكذلك قطع الحجة بالرسل حكمة منه تعالى وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏لكن الله يشهد‏}‏ الآية، سببها قول اليهود ‏{‏ما ينزل الله على بشر من شيء‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 91‏]‏ وقال بعضهم لمحمد عليه السلام‏:‏ ما نعلم يا محمد أن الله أرسل إليك ولا أنزل عليك شيئاً، وقأ أبو عبد الرحمن السلمي والجراح الحكمي «لكنّ الله يشهد» بشد النون ونصب المكتوبة على اسم «لكن» وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أنزله بعلمه‏}‏ هذه الآية من أقوى متعلقات أهل السنة في إثبات علم الله تعالى خلافاً للمعتزلة في أنهم يقولون‏:‏ عالم بلا علم، والمعنى عند أهل السنة‏:‏ أنزله وهو يعلم إنزاله ونزوله، ومذهب المعتزلة في هذه الآية أنه أنزله مقترناً بعلمه، والمعنى عند أهل السنة‏:‏ أنزله وهو يعلم إنزاله ونزوله، ومذهب المعتزلة في هذه الآية أنه في قوله الخضر‏:‏ ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا ما نقص هذا العصفور من هذا البحر، معناه‏:‏ من علم الله الذي بث في عباده، وقرأ الجمهور «أَنزل» على بناء الفعل للفاعل، وقرأ الحسن «أُنزل» بضم الهمزة على بنائه للمفعول، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏والملائكة يشهدون‏}‏ تقوية لأمر محمد عليه السلام ورد على اليهود، قال قتادة‏:‏ شهود والله غير متهمة، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وكفى بالله شهيداً‏}‏ تقديره‏:‏ وكفى الله شهيداً، لكن دخلت الباء لتدل على أن المراد بالله‏.‏

ثم أخبر تعالى عن الكافرين الذين يصدون الناس عن سبيل الله أنهم قد بعدوا عن الحق و‏{‏ضلوا ضلالاً بعيداً‏}‏ لا يقرب رجوعهم عنه ولا تخلصهم معه، وقرأ عكرمة وابن هرمز «وصُدوا» بضم الصاد‏.‏

ثم أخبر تعالى عن الكافرين الظالمين في أن وضعوا الشيء في غير موضعه، وهو الكفر بالله، والله تعالى يستوجب منهم غير ذلك لنعمه الظاهرة والباطنة أنهم بحيث لم يكن ليغفر لهم، وهذه العبارة أقوى من الإخبار المجرد أنه لا يغفر، ومثال ذلك أنك إذا قلت‏:‏ أنا لا أبيع هذا الشيء فهم منك الاغتباط به، فإذا قلت‏:‏ أنا ما كنت لأبيع هذا الشيء، فالاغتباط منك أكثر، هذا هو المفهوم من هذه العبارة، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا ليهديهم طريقاً إلا طريق جهنم‏}‏ هذه هداية الطرق وليست بالإرشاد على الإطلاق‏.‏ وباقي الآية بيّن يتضمن تحقير أمر الكفار، وأنهم لا يباليهم الله بالة كما ورد في الحديث، يذهب الصالحون الأول فالأول‏.‏ حتى تبقى حثالة كحثالة التمر لا يباليهم الله بالة، المعنى‏:‏ إذ هم كفار في آخر الزمان وعليهم تقوم الساعة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏170- 170‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآَمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ‏(‏170‏)‏‏}‏

المخاطبة بقوله ‏{‏يا أيها الناس‏}‏ مخاطبة لجميع الناس، والسورة مدنية، فهذا مما خوطب به جميع الناس بعد الهجرة، لأن الآية دعاء إلى الشرع، ولو كانت في أمر من أوامر الأحكام ونحوها لكانت «يا أيها الذين آمنوا» و‏{‏الرسول‏}‏ في هذه الآية محمد صلى الله عليه وسلم، و‏{‏الحق‏}‏ في شرعه، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏خيراً لكم‏}‏ منصوب بفعل مضمر تقديره، إيتوا خيراً لكم، أو حوزوا خيراً لكم، وقوله ‏{‏آمنوا‏}‏ وقوله مذهب سيبويه في نصب خير، ونظيره من الشعر قول عمر بن أبي ربيعة‏:‏

فواعديه سَرْحَتَيْ مالك *** أو الربى بينهما أسهلا

أي يأت أسهل، وقال أبو عبيدة التقدير يكن الإيمان خيراً والانتهاء خيراً، فنصبه على خبر كان، وقال الفراء‏:‏ التقدير فآمنوا إيماناً خيراً لكم، فنصبه على النعت لمصدر محذوف ثم قال تعالى ‏{‏وإن تكفروا فإن لله ما في السماوات والأرض‏}‏ وهذا خبر بالاستغناء، وأن ضرر الكفر إنما هو نازل بهم، ولله تعالى العلم والحكمة‏.‏

ثم خاطب تعالى أهل الكتاب من النصارى بأن يدعوا «الغلو»، وهو تجاوز الحد، ومنه غلاء السعر، ومنه غلوة السهم، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏في دينكم‏}‏ إنما معناه، في الدين الذي أنتم مطلوبون به، فكأنه اسم جنس، وأضافة إليهم بياناً أنهم مأخذون به، وليست الإشارة إلى دينهم المضلل، ولا أمروا بالثبوت عليه دون غلو، وإنما أمروا بترك الغلو في دين الله على الإطلاق، وأن يوحدوا ولا «يقولوا على الله إلا الحق»، وإذا سلكوا ما أمروا به، فذلك سائقهم إلى الإسلام، ثم بين تعالى أمر المسيح وأنه ‏{‏رسول الله وكلمته‏}‏ أي مكون عن كلمته التي هي «كن» وقوله ‏{‏ألقاها‏}‏ عبارة عن إيجاد هذا الحادث في مريم، وقال الطبري ‏{‏وكلمته ألقاها‏}‏ يريد جملة مخلوقاته، ف «من» لابتداء الغاية إذا حقق النظر فيها، وقال البشارة التي بعث الملك بها إليها، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وروح منه‏}‏ أي من الله وقال الطبري ‏{‏وروح منه‏}‏ أي نفخة منه، إذ هي من جبريل بأمره، وأنشد قول ذي الرمة‏:‏

فقلت له اضممها إليك وأحيها *** بروحك واقتته لها قيتة قدرا

يصف سقط النار، وقال أبيّ بن كعب‏:‏ روح عيسى من أرواح الله التي خلقها واستنطقها بقوله ‏{‏ألست بربكم قالوا بلى‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 172‏]‏ فبعثه الله إلى مريم فدخل فيها، ثم أمرهم بالإيمان بالله ورسله، أي الذين من جملتهم عيسى ومحمد عليهما السلام، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا تقولوا ثلاثة‏}‏ المعنى‏:‏ الله ثالث ثلاثة، فحذف الابتداء والمضاف، كذا قدر أبو علي، ويحتمل أن يكون المقدر‏:‏ المعبود ثلاثة، أو الإله ثلاثة، أو الآلهة ثلاثة، أو الأقانيم ثلاثة، وكيف ما تشعب اختلاف عبارات النصارى فإنه يختلف بحسب ذلك التقدير، وقد تقدم القول في معنى ‏{‏انتهوا خيراً لكم‏}‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏171- 172‏]‏

‏{‏يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا ‏(‏171‏)‏ لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا ‏(‏172‏)‏‏}‏

‏{‏إنما‏}‏ في هذه الآية حاصرة، اقتضى ذلك العقل في المعنى المتكلم فيه، ولست صيغة ‏{‏إنما‏}‏ تقتضي الحصر، ولكنها تصلح للحصر وللمبالغة في الصفة وإن لم يكن حصر، نحو‏:‏ إنما الشجاع عنترة وغير ذلك‏.‏ و‏{‏سبحانه‏}‏‏:‏ معناه تنزيهاً له وتعظيماً عن أن يكون له ولد كما تزعمون أنتم أيها النصارى في أمر عيسى، إذ نفلتم أبوة الحنان والرأفة إلى أبوة النسل، وقرأ الحسن بن أبي الحسن «أن يكون له ولداً» بكسر الألف من «أن» وهي نافية بمعنى ما يكون له ولد، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏له ما في السماوات وما في الأرض‏}‏ الآية‏:‏ إخبار يستغرق عبودية عيسى وغير ذلك من الأمور‏.‏

ثم برأ تعالى جهة المسيح عليه السلام من أقوالهم، وخلصه للذي يليق به فقال ‏{‏لن يستنكف المسيح أن يكون‏}‏ الآية، والاستنكاف‏:‏ إباية بأنفة، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا الملائكة المقربون‏}‏ زيادة في الحجة وتقريب من الأذهان، أي ولا هؤلاء الذين هم في أعلى درجات المخلوقين، لا يستنكفون عن ذلك فكيف سواهم، وفي هذه الآية الدليل الواضح على تفضيل الملائكة على الأنبياء، ثم أخبر تعالى عمن يستنكف أي بأنف عن عبادة الله ويستكبر، بأنه سيناله الحشر يوم القيامة والرد إلى الله، وقوله ‏{‏فسيحشرهم‏}‏ عبارة وعيد، وقرأ جمهور الناس «فسيحشرهم» بالياء، وقرأ الحسن بن أبي الحسن «فسنحشرهم» بنون الجماعة، «فنوفيهم»، «ونزيدهم»، «فنعذبهم»، كلها بالنون، قال أبو الفتح‏:‏ وقرأ مسلمة «فسيحشْرهم» «فيعذْبهم» بسكون الراء والباء على التخفيف‏.‏

وبين الله تعالى أمر المحشورين، فأخبر عن المؤمنين العاملين بالصالحات، أنه «يوفيهم أجورهم» حتى لا يبخس أحد قليلاً ولا كثيراً، وأنه يزيدهم من فضله، وتحتمل هذه الزيادة أن تكون المخبر عنها في أن الحسنة بعشر إلى سبعمائة ضعف، ويحتمل أن يكون التضعيف الذي هو غير مصرد محسوب، وهو المشار إليه في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏والله يضاعف لمن يشاء‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 261‏]‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏173- 175‏]‏

‏{‏فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا ‏(‏173‏)‏ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا ‏(‏174‏)‏ فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا ‏(‏175‏)‏‏}‏

هذا وعيد للمستنكفين الذين يدعون عبادة الله أنفة وتكبراً، وهذا الاستنكاف إنما يكون من الكفار عن اتباع الأنبياء وما جرى مجراه، كفعل حيي بن أخطب وأخيه أبي ياسر بمحمد عليه السلام، وكفعل أبي جهل وغيره، وإلا فإذا فرضت أحداً من البشر عرف الله تعالى، فمحال أن تجده يكفر به تكبراً عليه، والعناد المجوز إنما يسوق إليه الاستكبار عن البشر، ومع تقارب المنازل في ظن المتكبر‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم‏}‏ الآية إشارة إلى محمد رسول الله، و«البرهان»‏:‏ الحجة النيرة الواضحة التي تعطي اليقين التام، والمعنى‏:‏ قد جاءكم مقترناً بمحمد برهان من الله تعالى على صحة ما يدعوكم إليه وفساد ما أنتم عليه من النحل، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وأنزلنا إليكم نوراً مبيناً‏}‏ يعني القرآن فيه بيان لكل شيء، وهو الواعظ الزاجر، الناهي الآمر‏.‏

ثم وعد تبارك وتعالى المؤمنين بالله، المعتصمين به، والضمير فيه ‏{‏به‏}‏ يحتمل أن يعود على الله تعالى، ويحتمل أن يعود على القرآن الذي تضمنه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏نوراً مبيناً‏}‏ و«الاعتصام» به التمسك بسببه وطلب النجاة والمنعة به، فهو يعصم كما تعصم المعاقل، وهذا قد فسره قول النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ «القرآن حبل الله المتين من تمسك به عصم» و«الرحمة» و«الفضل»‏:‏ الجنة وتنعيمها، ‏{‏ويهديهم‏}‏، معناه‏:‏ إلى الفضل، وهذه هداية طريق الجنان، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏سيهديهم ويصلح بالهم‏}‏ ‏[‏محمد‏:‏ 5‏]‏ لأن هداية الإرشاد قد تقدمت وتحصلت حين آمنوا بالله واعتصموا بكتابه، و‏{‏صراطاً‏}‏ نصب بإضمار فعل يدل عليه ‏{‏يهديهم‏}‏، تقديره فيعرفهم، ويحتمل أن ينتصب كالمفعول الثاني‏:‏ إذ ‏{‏يهديهم‏}‏ في معنى يعرفهم، ويحتمل أن ينتصب على ظرفية «ما» ويحتمل أن يكون حالاً من الضمير في ‏{‏إليه‏}‏ وقيل‏:‏ من فضل، والصراط‏:‏ الطريق وقد تقدم تفسيره‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏176- 176‏]‏

‏{‏يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ‏(‏176‏)‏‏}‏

تقدم القول في تفسير ‏{‏الكلالة‏}‏ في صدر السورة، وان المترجح أنها الوراثة التي خلت من أب وابن وابنة ولم يكن فيها عمود نسب لا عال ولا سافل، وبقي فيها من يتكلل، أي‏:‏ يحيط من الجوانب كما يحيط الإكليل، وكان أَمر الكلالة عند عمر بن الخطاب مشكلاً فقال‏:‏ ما راجعت رسول الله في شيء مراجعتي إياه في الكلالة، ولوددت أن رسول الله لم يمت حتى يبينها وقال على المنبر‏:‏ ثلاث لو بينها رسول الله كان أحب إليَّ من الدنيا‏:‏ الجد والكلالة، والخلافة، وأبواب من الربا، وروي عنه رضي الله عنه أنه كتب فيها كتاباً فمكث يستخير الله فيه ويقول‏.‏ اللهم إن علمت فيه خيراً فأمضه، فلما طعن دعا بالكتابة فمحي، فلم يدر أحد ما كان فيه، وروى الأعمش عن إبراهيم وسائر شيوخه قال‏:‏ ذكروا أن عمر رضي الله عنه قال‏:‏ لأن أكون أعلم الكلالة أحب إليَّ من جزية قصور الشام‏.‏ وقال طارق بن شهاب‏:‏ أخذ عمر بن الخطاب كتفاً وجمع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال‏:‏ لأقضين في الكلالة قضاء تحدث به النساء في خدورها فخرجت عليهم حية من البيت فتفرقوا، فقال عمر‏:‏ لو أراد الله أن يتم هذا الأمر لأتمه، وقال معدان بن أبي طلحة‏:‏ خطب عمر بالناس يوم الجمعة فقال‏:‏ إني والله ما أدع بعدي شيئاً هو أهم إليَّ من أمر الكلالة وقد سألت عنها رسول الله، فما أغلظ لي في شيء ما أغلظ لي فيها، حتى طعن في نحري وقال‏:‏ تكفيك آية الصيف التي أنزلت في آخر سورة النساء فإن أعش فسأقضي فيها بقضية لا يختلف معها اثنان ممن يقرأ القرآن، وسئل عقبة بن عامر عن الكلالة فقال‏:‏ ألا تعجبون لهذا يسألني عن الكلالة‏؟‏ وما أعضل بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء ما أعضلت بهم الكلالة‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ فظاهر كلام عمر رضي الله عنه أن آية الصيف هي هذه، وروى أبو سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن الكلالة فقال‏:‏ ألم تسمع الآية التي أنزلت في الصيف ‏{‏وإن كان رجل يورث كلالة‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 12‏]‏ إلى آخر الآية‏.‏

قال القاضي رحمه الله‏:‏ هذا هو الظاهر، لأن البراء بن عازب قال‏:‏ آخر آية أنزلت على النبي صلى الله عليه وسلم ‏{‏يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة‏}‏ وقال كثير من الصحابة‏:‏ هي من آخر ما نزل، وقال جابر بن عبد الله‏:‏ نزلت بسببي، عادني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا مريض فقلت يا رسول الله‏:‏ كيف أقضي في مالي وكان لي تسع أخوات، ولم يكن لي والد ولا ولد‏؟‏ فنزلت الآية‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ تكفيك منها آية الصيف، بيان فيه كفاية وجلاء، ولا أدري ما الذي أشكل منها على الفاروق رضوان الله عليه‏؟‏ إلا أن تكون دالالة اللفظ ولذلك قال بعضهم‏:‏ ‏{‏الكلالة‏}‏ الميت نفسه، وقال آخرون ‏{‏الكلالة‏}‏ المال، إلى غير ذلك من الخلاف، وإذا لم يكن في الفريضة والد ولا ولد وترك الميت أختاً، فلها النصف فرضاً مسمى بهذه الآية، فإن ترك الميت بنتاً وأختاً، فللبنت النصف، وللأخت النصف بالتعصيب لا بالفرض المسمى، ولعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عباس في هذه المسألة خلاف للناس وذكر عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال في خطبته‏:‏ ألا إن آية أول سورة النساء أنزلها الله في الولد والوالد، والآية الثانية أنزلها الله في الزوج والزوجة والإخوة من الأم والآية التي ختم بها سورة النساء أنزلها في الإخوة والأخوات من الأب والأم، والآية التي ختم بها سورة الأنفال، أنزلها الله في أولي الأرحام، وقرأ ابن أبي عبلة «فإن للذكر مثل حظ» وقوله تعالى ‏{‏أن تضلوا‏}‏ معناه‏:‏ كراهية أن تضلوا، وحذر أن تضلوا فالتقدير‏.‏ لئلا تضلوا، ومنه قول القطامي في صفة نافة‏:‏ ‏[‏الوافُر‏]‏

رَأَيْنا مَا يَرَى البُصَرَاءُ مِنْهَا *** فآلينا عَلَيْهَا أَنْ تُبَاعا

وكان عمر رضي الله عنه إذا قرأ ‏{‏يبين الله لكم أن تضلوا‏}‏ قال‏:‏ اللهم من بينت له الكلالة فلم تبين لي‏.‏

سورة المائدة

تفسير الآية رقم ‏[‏1‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ ‏(‏1‏)‏‏}‏

قال علقمة‏:‏ كل ما في القرآن ‏{‏يا أيها الذين آمنوا‏}‏ فهو مدني، وقد تقدم القول في مثل هذا‏.‏ ويقال‏:‏ وفي وأوفى بمعنى واحد، وأمر الله تعالى المؤمنين عامة بالوفاء بالعقود‏.‏ وهي الربوط في القول كان ذلك في تعاهد على بر أو في عقدة نكاح أو بيع أو غيره‏.‏ ولفظ المؤمنين يعم مؤمني أهل الكتاب‏.‏ إذ بينهم وبين الله عقد في أداء الأمانة فيما في كتابهم من أمر محمد صلى الله عليه وسلم ولفظ «العقود» يعم عقود الجاهلية المبنية على بر مثل دفع الظلم ونحوه، وأما في سائر تعاقدهم على الظلم والغارات فقد هدمه الإسلام فإنما معنى الآية أمر جميع المؤمنين بالوفاء على عقد جار على رسم الشريعة وفسرالناس لفظ «العقود» بالعهود‏.‏ وذكر بعضهم من العقود أشياء على جهة المثال فمن ذلك قول قتادة ‏(‏أوفوا بالعقود‏)‏ معناه بعهد الجاهلية‏.‏ روي لنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ «أوفوا بعقد الجاهلية ولا تحدثوا عقداً في الإسلام»‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وفقه هذا الحديث أن عقد الجاهلية كان يخص المتعاقدين، إذ كان الجمهور على ظلم وضلال، والإسلام قد ربط الجميع وجعل المؤمنين إخوة فالذي يريد أن يختص به المتعاقدان قد ربطهما إليه الشرع مع غيرهم من المسلمين اللهم إلا أن يكون التعاهد على دفع نازلة من نوازل الظلامات فيلزم في الإسلام التعاهد على دفع ذلك والوفاء بذلك العهد، وأما عهد خاص لما عسى أن يقع يختص المتعاهدون بالنظر فيه والمنفعة كما كان في الجاهلية فلا يكون ذلك في الإسلام، قال الطبري‏:‏ وذكر أن فرات بن حيان العجلي سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حلف الجاهلية، فقال لعلك تسأل عن حلف لجيم وتيم الله، قال نعم يا نبي الله، قال لا يزيده الإسلام إلا شدة‏.‏ وقال ابن عباس رضي الله عنه ‏{‏أوفوا بالعقود‏}‏ معناه بما أحل وبما حرم وبما فرض وبما حد في جميع الأشياء، قاله مجاهد وغيره‏.‏

وقال محمد بن كعب القرظي وابن زيد وغيرهما «العقود» في الآية هي كل ما ربطه المرء على نفسه من بيع أن ونكاح أو غيره‏.‏

وقال ابن زيد وعبد الله بن عبيدة‏:‏ العقود خمس‏:‏ عقدة الإيمان وعقدة النكاح وعقدة العهد وعقدة البيع وعقدة الحلف‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وقد تنحصر إلى أقل من خمس، وقال ابن جريج قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أوفوا بالعقود‏}‏ قال‏:‏ هي العقود التي أخذها الله على أهل الكتاب أن يعملوا بما جاءهم، وقال ابن شهاب وقرأت كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كتب لعمرو بن حزم حين بعثه إلى نجران وفي صدره‏:‏ هذا بيان من الله ورسوله ‏{‏يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود‏}‏ فكتب الآيات منها إلى قوله‏:‏

‏{‏إن الله سريع الحساب‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 4‏]‏‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وأصوب ما يقال في تفسير هذه الآية أن تعمم ألفاظها بغاية ما تتناول فيعمم لفظ المؤمنين جملة من مظهر الإيمان إن لم يبطنه وفي المؤمنين حقيقة ويعمم لفظ العقود في كل ربط بقول موافق للحق والشرع‏.‏ ومن لفظ العقد قول الحطيئة‏:‏

قومٌ إذا عقدوا عقداً لجارهم *** شدوا العناجَ وشدوا فوقَهُ الكربا

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أحلت لكم بهيمة الأنعام‏}‏ خطاب لكل من التزم الإيمان على وجهه وكماله وكانت للعرب سنن في «الأنعام» من السائبة والبحيرة والحام وغير ذلك فنزلت هذه الآية رافعة لجميع ذلك واختلف في معنى ‏{‏بهيمة الأنعام‏}‏ فقال السدي والربيع وقتادة والضحاك‏:‏ هي «الأنعام» كلها‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ كأنه قال أحلت لكم «الأنعام» فأضاف الجنس إلى أخص منه وقال الحس‏:‏ ‏{‏بهيمة الأنعام‏}‏ الإبل والبقر والغنم‏.‏ وروي عن عبد الله بن عمر أنه قال ‏{‏بهيمة الأنعام‏}‏ الأجنة التي تخرج عند الذبح للأمهات فهي تؤكل دون ذكاة، وقال ابن عباس‏:‏ هذه الأجنة من ‏{‏بهيمة الأنعام‏}‏، قال الطبري‏:‏ وقال قوم ‏{‏بهيمة الأنعام‏}‏ وحشها كالظباء وبقر الوحش والحمر وغير ذلك‏.‏ وذكره غير الطبري عن الضحاك‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وهذا قول حسن، وذلك أن «الأنعام» هي الثمانية الأزواج وما انضاف إليها من سائر الحيوان يقال له أنعام بمجموعة معها وكان المفترس من الحيوان كالأسد وكل ذي ناب قد خرج عن حد «الأنعام» فصار له ما، ف ‏{‏بهيمة الأنعام‏}‏ هي الراعي من ذوات الأربع وهذه على ما قيل إضافة الشيء إلى نفسه كدار الآخرة ومسجد الجامع، وما هي عندي إلا إضافته الشيء إلى جنسه وصرح القرآن بتحليلها‏.‏ واتفقت الآية وقول النبي عليه السلام «كل ذي ناب من السباع حرام» ويؤيد هذا المنزع الاستثناءان بعد إذ أحدهما استثني فيه حال للمخاطبين وهي الإحرام والحرم، والصيد لا يكون إلا من غير الثمانية الأزواج، فترتب الاستثناءان في الراعي من ذوات الأربع‏.‏ والبهيمة في كلام العرب ما أبهم من جهة نقص النطق والفهم ومنه باب مبهم وحائط مبهم، وليل بهيم، وبهمة، للشجاع الذي لا يدرى من أين يؤتى له‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إلا ما يتلى عليكم‏}‏ استثناء ما تلي في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 3‏]‏ و‏{‏ما‏}‏ في موضع نصب على أصل الاستثناء وأجاز بعض الكوفيين أن تكون في موضع رفع على البدل وعلى أن تكون ‏{‏إلا‏}‏ عاطفة وذلك لا يجوز عند البصريين إلا من نكرة أو ما قاربها من أسماء الأجناس نحو قولك جاء الرجال إلا زيد كأنك قلت غير زيد بالرفع وقوله‏:‏ ‏{‏غير محلي الصيد‏}‏ نصب ‏{‏غير‏}‏ على الحال من الكاف والميم في قوله ‏{‏أحلت لكم‏}‏، وقرأ ابن أبي عبلة «غيرُ» بالرفع ووجهها الصفة للضمير في ‏{‏يتلى‏}‏ لأن «غيرُ محلي الصيد» هو في المعنى بمنزلة غير مستحل إذا كان صيداً أو يتخرج على الصفة ل ‏{‏بهيمة‏}‏ على مراعاة معنى الكلام كما ذكرت‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وقد خلط الناس في هذا الموضع في نصب «غيرَ» وقدروا فيها تقديمات وتأخيرات وذلك كله غير مرضيّ لأن الكلام على اطراده متمكن استثناء بعد استثناء وحرم جميع حرام وهو المحرم ومنه قول الشاعر‏:‏

فقلت لها فيئي إليك فإنني *** حرام وإني بعد ذاك لبيب

أي ملبّ وقرأ الحسن وإبراهيم ويحيى بن وثاب «حرْم» بسكون الراء وقال أبو الحسن هذه لغة تميمية يقولون في رُسُل رُسْل وفي كُتُب كُتْب ونحوه، وقوله‏:‏ ‏{‏إن الله يحكم ما يريد‏}‏ تقوية لهذه الأحكام الشرعية المخالفة لمعهود أحكام العرب أي فأنت أيها السامع لنسخ تلك العهود لتي عهدت تنبه فإن الله الذي هو مالك الكل يحكم ما يريد لا معقب لحكمه‏.‏ وهذه الآية مما تلوح فصاحتها وكثرة معانيها على قلة ألفاظها لكل ذي بصر بالكلام ولمن عنده أدنى إبصار فإنها تضمنت خمسة أحكام‏:‏ الأمر بالوفاء بالعقود وتحليل بهيمة الأنعام واستثناء ما تلي بعد واستثناء حال الإحرام فيما يصاد وما يقتضيه معنى الآية من إباحة الصيد لمن ليس بمحرم، وحكى النقاش أن أصحاب الكندي قالوا للكندي‏:‏ أيها الحكيم اعمل لنا مثل هذا القرآن فقال نعم أعمل مثل بعضه فاحتجب أياماً كثيرة ثم خرج فقال‏:‏ والله ما أقدر عليه ولا يطيق هذا أحد إني فتحت المصحف فخرجت سورة المائدة فنظرت فإذا هو قد أمر بالوفاء ونهى عن النكث وحلل تحليلاً عاماً ثم استثنى استثناء ثم أخبر عن قدرته وحكمته في سطرين ولا يستطيع أن يأتي أحد بهذا إلا في أجلاد‏.‏‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله‏}‏ خطاب للمؤمنين حقاً أن لا يتعدوا حدود الله في أمر من الأمور، والشعائر جمع شعيرة أي قد أشعر الله أنها حدة وطاعته فهي بمعنى معالم الله، واختلفت عبارة المفسرين في المقصود من الشعائر الذي بسببه نزل هذا العموم في الشعائر فقال السدي ‏{‏شعائر الله‏}‏ حرم الله، وقال ابن عباس ‏{‏شعائر الله‏}‏ مناسك الحج‏.‏ وكان المشركون يحجون ويعتمرون ويهدون وينحرون ويعظمون مشاعر الحج فأراد المسلمون أن يغيروا عليهم فقال الله تعالى‏:‏ ‏{‏لا تحلوا شعائر الله‏}‏ وقال ابن عباس أيضاً ‏{‏شعائر الله‏}‏ ما حد تحريمه في الإحرام‏.‏ وقال عطاء بن أبي رباح، ‏{‏شعائر الله‏}‏ جميع ما أمر به أو نهى عنه، وهذا هو القول الراجح الذي تقدم‏.‏

وقال ابن الكلبي كان عامة العرب لا يعدون الصفا والمروة من الشعائر وكانت قريش لا تقف بعرفات فنهوا بهذه الآية، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا الشهر الحرام‏}‏ اسم مفرد يدل على الجنس في جميع الأشهر الحرم وهي كما قال النبي عليه السلام ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان وإنما أضيف إلى مضر لأنها كانت تختص بتحريمه‏.‏ وتزيل فيه السلاح، وتنزع الأسنة من الرماح، وتسمية منصل الأسنة وتسمية الأصم من حيث كان لا يسمع فيه صوت سلاح، وكانت العرب مجمعة على ذي القعدة وذي الحجة والمحرم وكانت تطول عليها الحرمة وتمتنع من الغارات ثلاثة أشهر فلذلك اتخذت النسيء وهو أن يحل لها ذلك المتكلم نعيم بن ثعلبة وغيره المحرم يحرم بدله صفراً فنهى الله عن ذلك بهذه الآية وبقوله‏:‏ ‏{‏إنما النسيء زيادة في الكفر‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 37‏]‏ وجعل المحرم أول شهور السنة من حيث كان الحج والموسم غاية العام وثمرته فبذلك يكمل ثم يستأنف عام آخر ولذلك والله علم دوّن به عمر بن الخطاب الدواوين فمعنى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا الشهر الحرام‏}‏ أي لا تحلوه بقتال ولا غارة ولا تبديل فإن تبديله استحلال لحرمته‏.‏‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ والأظهر عندي أن الشهر الحرام أريد به رجب ليشتد أمره لأنه إنما كان مختصاً بقريش ثم فشا في مضر، ومما يدل على هذا قول عوف بن الأحوص‏:‏

وشهر بني أمية والهدايا *** إذا حبست مضرجها الدماء

قال أبو عبيدة أراد رجباً لأنه شهر كانت مشايخ قريش تعظمه فنسبه إلى بني أمية ذكر هذا الأخفش في المفضليات وقد قال الطبري المراد في هذه الآية رجب مضر‏.‏‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ فوجه هذا التخصيص هو كما قد ذكرت أن الله تعالى شداد أمر هذا الشهر إذ كانت العرب غير مجمعة عليه، وقال عكرمة‏:‏ المراد في هذه الآية ذو القعدة من حيث كان أولها، وقولنا فيها «أول» تقريب وتجوز أن الشهور دائرة فالأول إنما يترتب بحسب نازلة أو قرينة ما مختصة بقوم‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا الهدي ولا القلائد‏}‏ أما الهدي فلا خلاف أنه ما أهدي من النعم إلى بيت الله وقصدت به القربة فأمر الله أن لا يستحل ويغار عليه، واختلف الناس في ‏{‏القلائد‏}‏ فحكى الطبري عن ابن عباس أن ‏{‏القلائد‏}‏ هي ‏{‏الهدي‏}‏ المقلد وأن ‏{‏الهدي‏}‏ إنما يسمى هدياً ما لم يقلد فكأنه قال ولا «الهدي» الذي يقلد والمقلد منه‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وهذا الذي قال الطبري تحامل على ألفاظ ابن عباس وليس يلزم من كلام ابن عباس أن ‏{‏الهدي‏}‏ إنما يقال لما لم يقلد وإنما يقتضي أن الله نهى عن استحلال ‏{‏الهدي‏}‏ جملة ثم ذكر المقلد منه تأكيداً ومبالغة في التنبيه على الحرمة في التقليد، وقال جمهور الناس‏:‏ ‏{‏الهدي‏}‏ عام في أنواع ما أهدي قربه و‏{‏القلائد‏}‏ ما كان الناس يتقلدونه أمنة لهم، قال قتادة‏:‏ كان الرجل في الجاهلية إذا خرج يريد الحج تقلد من السمر قلادة فلم يعرض له أحد بسوء إذ كانت تلك علامة إحرامه وحجه وقال عطاء وغيره‏:‏ بل كان الناس إذا خرجوا من الحرم في حوائج لهم تقلدوا من شجر الحرم ومن لحائه فيدل لك على أنهم من أهل الحرم أو من حجاجه فيأمنون بذلك فنهى الله تعالى عن استحلال من تحرم بشيء من هذه المعاني‏.‏

وقال مجاهد وعطاء‏:‏ بل الآية نهي للمؤمنين عن أن يستحلوا أخذ القلائد من شجر الحرم كما كان أهل الجاهلية يفعلون، وقاله الربيع بن أنس عن مطرف بن الشخير وغيره، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا آمين البيت الحرام‏}‏ معناه ولا تحلوهم فتغيروا عليهم ونهى الله تعالى المؤمنين بهذه الآية عن أن يعمدوا للكفار القاصدين ‏{‏البيت الحرام‏}‏ على جهة التعبد والقربة وكل ما في هذه الآية من نهي عن مشرك أو مراعاة حرمة له بقلادة أو أَم البيت ونحوه فهو كله منسوخ بآية السيف في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 5‏]‏ وروي أن هذه الآية نزلت بسبب الحطم بن هند البكري أخي بني ضبيعة بن ثعلبة وذلك أنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً لأصحابه‏:‏ «يدخل اليوم عليكم رجل من ربيعة يتكلم بلسان شيطان فجاء الحطم فخلف خيلة خارجة من المدينة ودخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما عرض رسول الله عليه السلام ودعاه إلى الله قال‏:‏ أنظر ولعلي أسلم وأرى في أمرك غلظة ولي من أشاوره‏.‏ فخرج فقال النبي عليه السلام لقد دخل بوجه كافر وخرج بعقب غادر»، فمر بسرح من سرح المدينة فساقه وانطلق به وهو يقول‏:‏

قد لفها الليل بسواق حطم *** ليس براعي إبل ولا غنم

ولا بجزار على ظهر وضم *** باتوا نياماً وابن هند لم ينم

بات يقاسيها غلام كالزلم *** خدلج الساقين خفاق القدم

ثم أقبل الحطم من عام قابل حاجاً وساق هدياً فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبعث إليه‏.‏ وخف إليه ناس من أصحاب النبي عليه السلام، فنزلت هذه الآية، قال ابن جريج‏:‏ هذه الآية نهي عن الحجاج أن تقطع سبلهم، ونزلت الآية بسبب الحطم فذكر نحوه، وقال ابن زيد‏:‏ نزلت الآية عام الفتح ورسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، جاء أناس من المشركين يحجون ويعتمرون، فقال المسلمون يا رسول الله، إنما هؤلاء مشركون فلن ندعهم إلا أن نغير عليهم، فنزل القرآن ‏{‏ولا آميّن البيت الحرام‏}‏‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ فكل ما في هذه الآية مما يتصور في مسلم حاج فهو معكم، وكل ما كان منها في الكفار فهو منسوخ، وقرأ ابن مسعود وأصحابه «ولا آمي البيت» بالإضافة إلى البيت وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يبتغون فضلاً من ربهم ورضواناً‏}‏ قال فيه جمهور المفسرين معناه يبتغون الفضل في الأرباح في التجارة ويبتغون مع ذلك رضوانه في ظنهم وطمعهم، وقال قوم إنما الفضل والرضوان في ألاية في معنى واحد وهو رضا الله وفضله بالرحمة والجزاء، فمن العرب من كان يعتقد جزاء بعد الموت، وأكثرهم إنما كانوا يرجون الجزاء والرضوان في الدنيا والكسب وكثرة الأولاد ويتقربون رجاء الزيادة في هذه المعاني وقرأ الأعمش «ورُضواناً» بضم الراء‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وهذه الآية استئلاف من الله تعالى للعرب ولطف بهم لتنبسط النفوس ويتداخل الناس ويردون الموسم فيسمعون القرآن ويدخل الإيمان في قلوبهم تقوم عندهم الحجة كالذي كان وهذه الآية نزلت عام الفتح ونسخ الله تعالى ذلك كله بعد عام سنة تسع إذ حج أبو بكر ونودي الناس بسورة براءة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏2‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آَمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ‏(‏2‏)‏‏}‏

جاءت إباحة الصيد عقب التشدد في حرم البشر حسنة في فصاحة القول، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فاصطادوا‏}‏ صيغة أمر ومعناه الإباحة بإجماع من الناس، واختلف العلماء في صيغة أفعل إذا وردت ولم يقترن بها بيان واضح في أحد المحتملات، فقال الفقهاء‏:‏ هي على الوجوب حتى يدل الدليل على غير ذلك، وقال المتكلمون هي على الوقف حتى تطلق القرينة ولن يعرى أمر من قرينة، وقال قوم هي على الإباحة حتى يدل الدليل، وقال قوم‏:‏ هي على الندب حتى يدل الدليل وقول الفقهاء أحوطها وقول المتكلمين أقيسها وغير ذلك ضعيف‏.‏ ولفظة أفعل قد تجيء للوجوب كقوله ‏{‏أقيموا الصلاة‏}‏، وقد تجيء للندب كقوله‏:‏ ‏{‏وافعلوا الخير‏}‏ ‏[‏الحج‏:‏ 77‏]‏ وقد تجيء للإباحة كقوله ‏{‏فاصطادوا‏}‏ ‏{‏وابتغوا من فضل الله‏}‏ ‏{‏فانتشروا في الأرض‏}‏ ‏[‏الجمعة‏:‏ 10‏]‏، ويحتمل الابتغاء من فضل الله أن يكون ندباً، وقد تجيء للوعيد كقوله ‏{‏اعملوا ما شئتم‏}‏ ‏[‏فصلت‏:‏ 40‏]‏ وقد تجيء للتعجيز كقوله ‏{‏كونوا حجارة‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 50‏]‏ وقرأ أبو واقد والجراح ونبيح والحسن بن عمران «فاصطادوا» بكسر الفاء وهي قراءة مشكلة ومن توجيهها أن يكون راعى كسر ألف الوصل إذا بدأت فقلت‏:‏ اصطادوا فكسر الفاء مراعاةً وتذكراً لكسرة ألف الوصل، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا يجرمنكم‏}‏ معناه ولا يكسبنكم وجرم الرجل معناه كسب ويتعدى إلى مفعولين كما يتعدى كسب، وفي الحديث‏:‏ وتكسب المعدوم، قال أبو علي‏:‏ وأجرم بالألف عرفه الكسب في الخطايا والذنوب، وقال الكسائي جرم وأجرم لغتان بمعنى واحد أي كسب وقال قوم ‏{‏يجرمنكم‏}‏ معناه يحق لكم كما أن ‏{‏لا جرم أن لهم النار‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 62‏]‏ معناه حق لهم أن لهم النار وقال ابن عباس ‏{‏يجرمنكم‏}‏ معناه يحملنكم‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وهذه كلها أقوال تتقارب بالمعنى فالتفسير الذي يخص اللفظة هو معنى الكسب ومنه قول الشاعر‏:‏ ‏[‏أبو خراش الهذلي‏]‏‏:‏

جريمةُ ناهض في رأس نيق *** ترى لعظام ما جمعت صليبا

معناه كاسب قوت ناهض، ويقال فلان جريمة قومه إذا كان الكاسب لهم، وقرأ ابن مسعود وغيره «يُجرمنكم» بضم الياء والمعنى أيضاً لا يكسبنكم وأما قول الشاعر‏:‏

ولقد طعنت أبا عيينة طعنة *** جرمت فزارة بعدها أن يغضبوا

فمعناه كسبت فزارة بعدها الغضب وقد فسر بغير هذا مما هو قريب منه وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏شنآن قوم‏}‏ قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي «شَنْآن» متحركة النون، وقرأ ابن عامر «شنآن» ساكنة النون، واختلف عن عاصم ونافع، يقال شنئت الرجل شَنْأً بفتح الشين وشنآناً بفتح النون وشنآناً بسكون النون والفتح أكثر كل ذلك إذا أبغضته، قال سيبويه‏:‏ كل ما كان من المصادر على فعلان بفتح العين لم يتعد فعله إلا أن يشذ شيء كالشنآن وإنما عدي شنئت من حيث كان أبغضت كما عدي الرفث ب «إلى» من حيث كان بمعنى الإفضاء‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ فأما من قرأ «شَنآن» بفتح النون فالأظهر فيه أنه مصدر كأنه قال لا يكسبنكم بغض قوم من أجل أن صدوكم عدواناً عليهم وظلماً لهم والمصادر على أن هذا الوزن كثيرة كالنزوان والغليان والطوفان والجريان وغيره، ويحتمل «الشنآن» بفتح النون أن يكون وصفاً فيجيء المعنى ولا يكسبنكم بغض قوم أو بغضاء قوم عدواناً ومما جاء على هذا الوزن صفة قولهم‏:‏ حمار قطوان إذا لم يكن سهل السير وقولهم عدو وصمان أي ثقيل كعدو الشيخ ونحوه إلى غير هذا مما ليس في الكثرة كالمصادر ومنه ما أنشده أبو زيد‏:‏

وقبلك ما هاب الرجال ظلامتي *** وفقأت عين الأشوس الأبيان

بفتح الباء وأما من قرأ «شنْآن» بسكون النون فيحتمل أن يكون مصدراً وقد جاء المصدر على هذا الوزن في قولهم لويته دينه لياناً، وقول الأحوص‏:‏

وإن لام فيه ذو الشنان وفندا *** إنما هو تخفيف من «شنآن» الذي هو مصدر بسكون النون لأنه حذف الهمزة وألقى حركتها على الساكن هذا هو التخفيف القياسي قال أبو علي‏:‏ من زعم أن فعلان إذا أسكنت عينه لم يك مصدراً فقد أخطأ، وتحتمل القراءة بسكون النون أن يكون وصفاً فقد حكي‏:‏ رجل شنآن وامرأة شنآنة وقياس هذا أنه من فعل غير متعد وقد يشتق من لفظ واحد فعل متعد وفعل واقف فيكون المعنى ولا يكسبنكم بغض قوم أو بغضاء قوم عدواناً وإذا قدرت اللفظة مصدراً فهو مصدر مضاف إلى المفعول، ومما جاء وصفاً على فعلان ما حكاه سيبويه من قولهم خمصان ومن ذلك قولهم ندمان‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ ومنه رحمان وهذه الآية نزلت عام الفتح حين أراد المؤمنون أن يستطيلوا على قريش وألفاظها من القبائل المتظاهرين على صد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه عام الحديبية وذلك سنة ست من الهجرة فحصلت بذلك بغضة في قلوب المؤمنين وحسيكة للكفار فقيل للمؤمنين عام الفتح وهو سنة ثمان لا يحملنكم ذلك البغض أو أولئك البغضاء من أجل أن صدوكم على أن تعتدوا عليهم إذ لله فيهم إرادة خير وفي علمه أن منهم من يؤمن كالذي كان، وحكى المهدوي عن قوم أنها نزلت عام الحديبية لأنه لما صد المسلمون عن البيت مر بهم قوم من أهل نجد يريدون البيت فقالوا نصد هؤلاء كما صددنا فنزلت الآية، وقرأ أبو عمرو وابن كثير «إن صدوكم» بكسر الهمزة وقرأ الباقون «أن صدوكم» بفتح الهمزة إشارة إلى الصد الذي وقع وهذه قراءة الجمهور وهي أمكن في المعنى وكسر الهمزة معناه أن وقع مثل ذلك في المستقبل‏.‏

وقرأ ابن مسعود «أن يصدوكم» وهذه تؤيد قراءة أبي عمرو وابن كثير‏.‏

ثم أمر الله تعالى الجميع بالتعاون ‏{‏على البر والتقوى‏}‏ قال قوم‏:‏ هما لفظان بمعنى وكرر باختلاف اللفظ تأكيداً ومبالغة إذ كل بر تقوى وكل تقوى بر‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وفي هذا تسامح ما والعرف في دلالة هذين اللفظين أن البر يتناول الواجب والمندوب إليه والتقوى رعاية الواجب فإن جعل أحدهما بدل الآخر فبتجوز ثم نهى تعالى عن التعاون على الإثم وهو الحكم اللاحق عن الجرائم وعن العدوان وهو ظلم الناس، ثم أمر بالتقوى وتوعد توعداً مجملاً بشدة العقاب وروي أن هذه الآية نزلت نهياً عن الطلب بذحول الجاهلية إذ أراد قوم من المؤمنين ذلك، قاله مجاهد‏.‏ وقد قتل بذلك حليف لأبي سفيان من هذيل‏.‏‏.‏